سيد قطب

674

في ظلال القرآن

عن ذاتها - لا بلغاتها الأصلية - ولكن باللغة الجديدة . لغة هذا الدين . اللغة الإسلامية . وأنتجت بهذه اللغة في كل حقل من حقول الثقافة نتاجا تبدو فيه الأصالة ؛ ولا يلوح عليه الاحتباس من معاناة التعبير في لغة غريبة - غير اللغة الأم - لقد أصبحت اللغة الإسلامية هي اللغة الأم فعلا لهذه العبقريات . . ذلك أن الرصيد الذي حملته هذه اللغة كان من الضخامة أولا ؛ ومن ملاصقة الفطرة ثانيا ؛ بحيث كان أقرب إلى النفوس وأعمق فيها ، من ثقافاتها القديمة . ومن لغاتها القديمة أيضا ! لقد كان هذا الرصيد هو رصيد العقيدة والتصور ؛ ورصيد البناء الروحي والعقلي والخلقي والاجتماعي الذي أنشأه المنهج الإسلامي في فترة وجيزة . وكان من الضخامة والعمق واللصوق بالفطرة ، بحيث أمد اللغة - لغة الإسلام - بسلطان لا يقاوم . كما أمد الجيوش - جيوش الإسلام - بسلطان لا يقاوم كذلك ! وبغير هذا التفسير يصعب أن نعلل تلك الظاهرة التاريخية الفريدة . وعلى أية حال فهذا موضوع يطول شرحه . فحسبنا منه هذه اللمحة في سياق الظلال . . منذ هذا الدرس في هذه السورة تبدأ المعركة مع المعسكرات المعادية المتربصة بالجماعة الإسلامية الناشئة في المدينة . . ففي هذا الدرس تعجيب من حال اليهود وتصرفاتهم في مواجهة الدين الجديد والجماعة التي تمثله . . وفي الدرس الذي يليه بيان لوظيفة الجماعة المسلمة ، وطبيعة منهجها ، وحد الإسلام ، وشرط الإيمان ، الذي يتميز به منهجها وحياتها ونظامها . . وفي الدرس الذي يليه دعوة لهذه الجماعة للذود عن منهجها ووضعها ووجودها ؛ وكشف للمنافقين المندسين فيها ؛ وبيان لطبيعة الموت والحياة وقدر اللّه الذي يجري بهما ؛ وهو جزء من تربية هذه الجماعة ، وإعدادها لوظيفتها وللمعركة مع أعدائها . . وفي الدرس الذي يليه مزيد من الحديث عن المنافقين ؛ وتحذير للجماعة المسلمة من الانقسام في شأنهم ، أو الدفاع عن تصرفاتهم . ثم تفصيل للإجراءات التي تواجه بها الجماعة المسلمة شتى المعسكرات من حولها - أي لقواعد قانون المعاملات الدولية - وفي الدرس الذي يليه نجد نموذجا لرفعة الإسلام في معاملته ليهودي فرد في المجتمع الإسلامي ! . . والدرس الذي يليه جولة مع الشرك والمشركين ، وتوهين للأسس التي يقوم عليها المجتمع المشرك في الجزيرة . . ويتوسط هذه المعركة لمحة من التنظيم الداخلي ، ترتبط بأوائل السورة في شأن الأسرة . . ثم يجيء الدرس الأخير - في هذا الجزء - خاصا بالنفاق والمنافقين ؛ يهبط بهم إلى الدرك الأسفل من النار ! وهذه الإشارات الخاطفة تبين لنا طبيعة مجالات المعركة وجوانبها المتعددة - في الداخل والخارج . . وطبيعة التوافق والتكامل ، بين المعركة الداخلية والمعركة الخارجية في حياة المجتمع الإسلامي الأول . . وهي هي بذاتها معركة الأمة المسلمة اليوم وغدا في أساسها وحقيقتها . « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ، يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ، وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ ، وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا ، وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً . مِنَ الَّذِينَ هادُوا ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ . وَيَقُولُونَ : سَمِعْنا وَعَصَيْنا ، وَاسْمَعْ - غَيْرَ مُسْمَعٍ - وَراعِنا . لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَطَعْناً فِي الدِّينِ . وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا : سَمِعْنا وَأَطَعْنا ، وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ . وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ، فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا » . . إنه التعجيب الأول - من سلسلة التعجيبات الكثيرة - من موقف أهل الكتاب - من اليهود - يوجه الخطاب فيه إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أو إلى كل من يرى هذا الموقف العجيب المستنكر :